
لخشب الصندل تاريخ عريق يتجاوز أكثر من 4000 عام، تكرّر ذكره في المخطوطات السنسكريتية والصينية القديمة، مما يجعله أحد أقدم المكونات العطرية المستخدمة عالمياً. يعد خشب الصندل من فئات الأخشاب المستخرجة من أشجار السانتالوم (الصندل الأبيض)، التي تتميز بأنها أخشاب ثقيلة، صفراء اللون، وعلى عكس العديد من الأخشاب العطرية الأخرى، فإن خشب الصندل يحتفظ بعطره لعقود. يبلغ ارتفاع شجرة الصندل حوالي عشرة أمتار، لها أوراق بيضاوية دائمة الخضرة وأزهار صغيرة صفراء اللون بظلال أرجوانية عديمة الرائحة. ورغم أن أوراقه وأزهاره لا تجعلانه لافتاً للنظر، لكن لحاءه البني يحمي قلباً أخضر (أو أبيضاً في بعض الأحيان) برائحة مخملية مميزة. كما يعود أصل خشب الصندل إلى آسيا، وقد انتشر بشكل رئيسي في المناطق الاستوائية الأكثر جفافاً كالهند والجزر الإندونيسية تيمور وسومبا. كما ينتج ثمرة تشبه الدراق تجذب الطيور فيتناولون الثمار ويرمون البذور ما يساهم في الانتشار الطبيعي لهذه الأشجار.


تم العثور على آثار خشب الصندل في مصر بممارسات التحنيط. كما يعتبره كل من البوذية والهندوسية خشباً مقدساً ويستخدمونه أثناء مراسم الجنازة. في العصور القديمة، فقد تم استخدامه لبناء المعابد في التبت ونيبال والصين. كما يستخدم في صناعة البخور وطب الأيورفيدا، أما الطب الصيني فاستخدامه لخشب الصندل كان يعتمد على الزيت المستخلص منه لما له من فوائد في علاج آلام المعدة والأمراض الجلدية. وعن ظهور خشب الصندل في أوروبا، فقد كان في وقتٍ لاحق من ذلك، عندما استخدمه العرب لتعطير جلود قرطبة في إسبانيا.

إن مهد أخشاب الصندل يتمركز في الهند، في ولاية كارناتاكا، حيث يمكن هناك العثور على أحد أصنافه الأكثر شهرة: خشب الصندل الميسوري. في نهاية القرن الثامن عشر، قرر ملك ميسور أن يطبّق احتكاراً ملكياً على خشب الصندل، وأصبحت الهند أكبر منتج لخشب الصندل في العالم. وفي عام 1916، أنشأ مهراجا ميسور مصنعاً حكومياً مخصصاً لخشب الصندل، وأصبحت جودة الأخشاب هناك معروفة فيما بعد بـ”خشب الصندل – ألبا الأصلي” الذي دامت شهرته عالمياً طوال القرن الحادي والعشرين. لقد عانى خشب الصندل الميسوري (باهظ الثمن) لفترة طويلة من الاستغلال المفرط، مما منع عملية تقطيع الأشجار منذ عام 2010. واليوم، يُزرع شجر الصندل (ألبم) في بلدانٍ أخرى، بما فيها أستراليا وكاليدونيا الجديدة، في أرخبيل فانواتو، على نطاق واسع للتعويض عن ندرة خشب الصندل الهندي.

يتطلب إنتاج خشب الصندل ذو الجودة العالية أن لا يقل عمر أشجار خشب الصندل الهندي عن 15 عاماً وبالتالي حتى الزيوت المستخلصة ستكون بجودة أعلى. يتباين محصول الزيت بحسب عمر الشجرة وموقعها؛ إذ تنتج عادةً الأشجار الأكبر سناً أعلى كمية وجودة من الزيت. كما يتم قطع الشجرة واقتلاعها غالباً، لتتحول إلى رقائق قبل تقطيرها. في الماضي كانت تُقطع الأشجار ثم الأغصان والجذور. لتُترك جذوعها على الأرض فيتغذى عليها النمل الأبيض. أما اليوم، وأثناء ندرة خشب الصندل، يتم استخدام جميع أجزاء الشجرة بما في ذلك الجذور، عن طريق تحويلها لمسحوق، ومن ثم تجفيفها، ليُصار إلى تقطيرها بالبخار لاحقاً.

يتم استخراج الزيت العطري من خشب الصندل بواسطة آلية التقطير. إذ يتم استخدام طرق مختلفة لهذه الآلية بما في ذلك التقطير بالبخار، التقطير المائي، الاستخراج عبر ثاني أكسيد الكربون، أو الاستخراج عبر المذيبات. يعتبر التقطير بالبخار هو الطريقة الأكثر شيوعاً التي تستخدمها الشركات المتخصصة بخشب الصندل، وهي آلية تحدث على أربع مراحل، تتضمن الغليان والتبخير والتكثيف والفصل. إذ يتم تسخين المياه إلى درجات حرارة عالية ومن ثم يتم تمريرها عبر الخشب. وبالرغم من أن الزيت مرتبط بإحكام شديد داخل الهيكل الخلوي للخشب ولكن يمكن إطلاقه بفعل الحرارة العالية للبخار. وبعد ذلك يتم تبريد خليط البخار والزيت وفصلهما بحيث يمكن جمع الزيت العطري جانباً. كما تعدّ هذه العملية أطول بكثير من أي تقطير زيت آخر، وقد تستغرق من 14 إلى 36 ساعة حتى تكتمل، ولكنها عموماً تنتج زيتاً عالي الجودة. أما عن التقطير المائي فهو الطريقة الأكثر تقليدية لاستخراج زيت خشب الصندل والتي تتضمن نقع الخشب في الماء ثم غليه حتى يتم تحرير الزيت منه. لم تعد تستخدم هذه الطريقة كثيراً بسبب تكاليفها الباهظة والوقت الطويل تبعاً لمراحل تسخين كميات كبيرة من المياه.
يحتوي خشب الصندل على 230 جزيئاً ذرّياً، ولكن ليس جميعها عطرة. إذ يعتبر كل من السانتالول ألفا، السانتالول بيتا، التيربين، الكاريوفيلن والبرغاموتل المكونات الرئيسية لخشب الصندل، وليعتبر خشب الصندل عالي الجودة ينبغي أن يحتوي على 90٪ على الأقل من السانتالول. وباعتبار ندرة خشب الصندل في هذه الأيام، فإنه يصنّف كأغلى مادة خام خشبية عطرة في العالم. كما يُعرف الزيت العطري المستخلص منه باسم “الذهب السائل“، إذ للحصول على 45 لتراً من الزيت العطري لخشب الصندل، يستلزم حوالي 1 طن من الخشب، مما يجعله من الأنواع المهددة بالانقراض.

نظراً لسعر وندرة هذا الزيت العطري الثمين، ابتكر باحثو الكيمياء العضوية المكون صانديلا، كجزيء بديل عام 1947. وخلال السبعينيات، تم استخدام مركب الصاندلور على نطاق واسع لدعم خلاصة خشب الصندل الطبيعي، ومنذ ذلك الحين، تم ابتكار العديد من المركبات التي تعد بمثابة إضافات جزيئية قوية للصيغ الكيميائية للتركيبة العطرية مثل البوليسانتول. يتصف زيت خشب الصندل برائحة مميزة دافئة، كريمية ناعمة وخشبية ويعد من أفخر زيوت الأخشاب الثمينة الذي يمنح العطور رائحة أخاذة. كما أن استخدامه بنسب صغيرة في العطر، يجعله يعمل كمثبت للتركيبة العطرية بأكملها، مما يزيد من طول عمر المكونات العطرية الأخرى الأسرع تبخراً في المركب ما يجعله نوتة أساسية رائعة. بخلاف المتوقع عن رائحة خشب الصندل أنها رائحة خشبية بحتة، لكنها أيضاً تعتبر ترابية ذات رائحة حلوة ومنعشة.


















