Posted on Leave a comment

خشب الصندل في العطور

لخشب الصندل تاريخ عريق يتجاوز أكثر من 4000 عام، تكرّر ذكره في المخطوطات السنسكريتية والصينية القديمة، مما يجعله أحد أقدم المكونات العطرية المستخدمة عالمياً. يعد خشب الصندل من فئات الأخشاب المستخرجة من أشجار السانتالوم (الصندل الأبيض)، التي تتميز بأنها أخشاب ثقيلة، صفراء اللون، وعلى عكس العديد من الأخشاب العطرية الأخرى، فإن خشب الصندل يحتفظ بعطره لعقود. يبلغ ارتفاع شجرة الصندل حوالي عشرة أمتار، لها أوراق بيضاوية دائمة الخضرة وأزهار صغيرة صفراء اللون بظلال أرجوانية عديمة الرائحة. ورغم أن أوراقه وأزهاره لا تجعلانه لافتاً للنظر، لكن لحاءه البني يحمي قلباً أخضر (أو أبيضاً في بعض الأحيان) برائحة مخملية مميزة. كما يعود أصل خشب الصندل إلى آسيا، وقد انتشر بشكل رئيسي في المناطق الاستوائية الأكثر جفافاً كالهند والجزر الإندونيسية تيمور وسومبا. كما ينتج ثمرة تشبه الدراق تجذب الطيور فيتناولون الثمار ويرمون البذور ما يساهم في الانتشار الطبيعي لهذه الأشجار.

تم العثور على آثار خشب الصندل في مصر بممارسات التحنيط. كما يعتبره كل من البوذية والهندوسية خشباً مقدساً ويستخدمونه أثناء مراسم الجنازة. في العصور القديمة، فقد تم استخدامه لبناء المعابد في التبت ونيبال والصين. كما يستخدم في صناعة البخور وطب الأيورفيدا، أما الطب الصيني فاستخدامه لخشب الصندل كان يعتمد على الزيت المستخلص منه لما له من فوائد في علاج آلام المعدة والأمراض الجلدية. وعن ظهور خشب الصندل في أوروبا، فقد كان في وقتٍ لاحق من ذلك، عندما استخدمه العرب لتعطير جلود قرطبة في إسبانيا.

إن مهد أخشاب الصندل يتمركز في الهند، في ولاية كارناتاكا، حيث يمكن هناك العثور على أحد أصنافه الأكثر شهرة: خشب الصندل الميسوري. في نهاية القرن الثامن عشر، قرر ملك ميسور أن يطبّق احتكاراً ملكياً على خشب الصندل، وأصبحت الهند أكبر منتج لخشب الصندل في العالم. وفي عام 1916، أنشأ مهراجا ميسور مصنعاً حكومياً مخصصاً لخشب الصندل، وأصبحت جودة الأخشاب هناك معروفة فيما بعد بـ”خشب الصندل – ألبا الأصلي” الذي دامت شهرته عالمياً طوال القرن الحادي والعشرين. لقد عانى خشب الصندل الميسوري (باهظ الثمن) لفترة طويلة من الاستغلال المفرط، مما منع عملية تقطيع الأشجار منذ عام 2010. واليوم، يُزرع شجر الصندل (ألبم) في بلدانٍ أخرى، بما فيها أستراليا وكاليدونيا الجديدة، في أرخبيل فانواتو، على نطاق واسع للتعويض عن ندرة خشب الصندل الهندي.

يتطلب إنتاج خشب الصندل ذو الجودة العالية أن لا يقل عمر أشجار خشب الصندل الهندي عن 15 عاماً وبالتالي حتى الزيوت المستخلصة ستكون بجودة أعلى. يتباين محصول الزيت بحسب عمر الشجرة وموقعها؛ إذ تنتج عادةً الأشجار الأكبر سناً أعلى كمية وجودة من الزيت. كما يتم قطع الشجرة واقتلاعها غالباً، لتتحول إلى رقائق قبل تقطيرها. في الماضي كانت تُقطع الأشجار ثم الأغصان والجذور. لتُترك جذوعها على الأرض فيتغذى عليها النمل الأبيض. أما اليوم، وأثناء ندرة خشب الصندل، يتم استخدام جميع أجزاء الشجرة بما في ذلك الجذور، عن طريق تحويلها لمسحوق، ومن ثم تجفيفها، ليُصار إلى تقطيرها بالبخار لاحقاً.

يتم استخراج الزيت العطري من خشب الصندل بواسطة آلية التقطير. إذ يتم استخدام طرق مختلفة لهذه الآلية بما في ذلك التقطير بالبخار، التقطير المائي، الاستخراج عبر ثاني أكسيد الكربون، أو الاستخراج عبر المذيبات. يعتبر التقطير بالبخار هو الطريقة الأكثر شيوعاً التي تستخدمها الشركات المتخصصة بخشب الصندل، وهي آلية تحدث على أربع مراحل، تتضمن الغليان والتبخير والتكثيف والفصل. إذ يتم تسخين المياه إلى درجات حرارة عالية ومن ثم يتم تمريرها عبر الخشب. وبالرغم من أن الزيت مرتبط بإحكام شديد داخل الهيكل الخلوي للخشب ولكن يمكن إطلاقه بفعل الحرارة العالية للبخار. وبعد ذلك يتم تبريد خليط البخار والزيت وفصلهما بحيث يمكن جمع الزيت العطري جانباً. كما تعدّ هذه العملية أطول بكثير من أي تقطير زيت آخر، وقد تستغرق من 14 إلى 36 ساعة حتى تكتمل، ولكنها عموماً تنتج زيتاً عالي الجودة. أما عن التقطير المائي فهو الطريقة الأكثر تقليدية لاستخراج زيت خشب الصندل والتي تتضمن نقع الخشب في الماء ثم غليه حتى يتم تحرير الزيت منه. لم تعد تستخدم هذه الطريقة كثيراً بسبب تكاليفها الباهظة والوقت الطويل تبعاً لمراحل تسخين كميات كبيرة من المياه.

يحتوي خشب الصندل على 230 جزيئاً ذرّياً، ولكن ليس جميعها عطرة. إذ يعتبر كل من السانتالول ألفا، السانتالول بيتا، التيربين، الكاريوفيلن والبرغاموتل المكونات الرئيسية لخشب الصندل، وليعتبر خشب الصندل عالي الجودة ينبغي أن يحتوي على 90٪ على الأقل من السانتالول. وباعتبار ندرة خشب الصندل في هذه الأيام، فإنه يصنّف كأغلى مادة خام خشبية عطرة في العالم. كما يُعرف الزيت العطري المستخلص منه باسم “الذهب السائل“، إذ للحصول على 45 لتراً من الزيت العطري لخشب الصندل، يستلزم حوالي 1 طن من الخشب، مما يجعله من الأنواع المهددة بالانقراض.

نظراً لسعر وندرة هذا الزيت العطري الثمين، ابتكر باحثو الكيمياء العضوية المكون صانديلا، كجزيء بديل عام 1947. وخلال السبعينيات، تم استخدام مركب الصاندلور على نطاق واسع لدعم خلاصة خشب الصندل الطبيعي، ومنذ ذلك الحين، تم ابتكار العديد من المركبات التي تعد بمثابة إضافات جزيئية قوية للصيغ الكيميائية للتركيبة العطرية مثل البوليسانتول. يتصف زيت خشب الصندل برائحة مميزة دافئة، كريمية ناعمة وخشبية ويعد من أفخر زيوت الأخشاب الثمينة الذي يمنح العطور رائحة أخاذة. كما أن استخدامه بنسب صغيرة في العطر، يجعله يعمل كمثبت للتركيبة العطرية بأكملها، مما يزيد من طول عمر المكونات العطرية الأخرى الأسرع تبخراً في المركب ما يجعله نوتة أساسية رائعة. بخلاف المتوقع عن رائحة خشب الصندل أنها رائحة خشبية بحتة، لكنها أيضاً تعتبر ترابية ذات رائحة حلوة ومنعشة.

Posted on Leave a comment

الأزهار البيضاء في العطور

بالعودة لتاريخ الأزهار في العصر الفيكتوري، أتاح علم الأزهار للعشاق فرصة التعبير عن مشاعرهم بطرق مختلفة وأكثر دقة. إذ تحمل الأزهار المتنوعة معاني مختلفة، وفي بعض الحالات، حتى اللون يمكن أن يرمز لشيء مختلف عن اللون الآخر. إذ تُفضَّل الأزهار البيضاء دائماً لصورتها النقية وأناقتها. كما هو من المتعارف عليه استخدام الزهور البيضاء لباقات الزفاف أو في حفلات التأبين. وتتراوح معانيها ما بين النقاء والبراءة إلى التعاطف. كما تنمو الأزهار البيضاء على اختلافها في جميع أنحاء العالم، وعلى عكس الأزهار الأخرى، فهي تتمتع بخواص شمية مزدوجة، بين النضارة والإثارة. دعونا نستمتع باستكشاف هذه العائلة العطرية بشكل أكبر…

لطالما كانت الأزهار البيضاء مكوناً لا غنى عنه في عالم العطور لعدة قرون. فقد قاموا مصممو العطور بابتكار مجموعة ساحرة من الكلاسيكيات المميزة مستمرين في إغواء جميع من يختبر هذه العطور حتى الآن. وغالباً ما يُنظر إليها على أنها تركيبات شمية للإثارة المطلقة، أو الأنوثة الشديدة، أو حتى النقاء المنعش. كما أنها تضفي تنوعاً شمياً جنباً إلى جنب مع أي نوتات فوّاحة ترافقها ضمن المزيج العطري. كما تحتوي جميع الزهور البيضاء تقريباً على مركب طبيعي يسمى الإندول، وهو جزيء شمي قوي ذو رائحة واخزة.

يمكن أن تتواجد الزهرة البيضاء بشكلها الطبيعي في صناعة العطور. ومع ذلك، فإن اختيار الزهور وتكوين العطر ليس بقليل التكلفة. فإن الزهور البيضاء التي يتم قطفها يدوياً تعتبر هشة نسبياً ويتطلب استخراج الخلاصة العطرية منها معرفة وخبرة دقيقة.

مهما كانت الطريقة المستخدمة لاستخراج هذه الخلاصة، فإن النتيجة هي نفسها: رائحة مثيرة، كريمية، حلوة، منعشة، وعميقة جداً. وأثناء اختيار التركيبة العطرية، يقوم العطارون بالتركيز على جانب واحد بدلاً من الآخر.

بمجرد ذكر الأزهار البيضاء ورائحتها ستتبادر لأذهاننا روائح الياسمين ومسك الروم.

الياسمين: وهي زهرة أسطورية، موطنها المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في أوراسيا وأفريقيا. إذ هناك أكثر من 200 نوع من الياسمين، منها نوعان فقط يستخدمان بشكل خاص في العطور: القانة (غرانديفلورم) والفل (سامباك)، وهي الأزهار البيضاء الأكثر تفضيلاً وشيوعاً، وذلك نظراً لأنه حوالي 83% من العطور الفاخرة تحتوي في تركيبتها على الياسمين أو نوتات شبيهة بالياسمين، وحوالي 33% من العطور الرجالية تتواجد فيها هذه الزهرة أيضاً. تعتبر الهند ومصر أولى الدول بتصدير هذه الزهرة وبنطاق أصغر تأتي فرنسا. كما يعتبر استخراج الخلاصة العطرية باستخدام المذيبات الكيميائية الآن هي المنهجية المفضلة للحصول على مستخلص الياسمين، وبكونه المكون الأكثر استخداماً في صناعة العطور يُطلق عليه اسم الملك. تعتبر رائحة أزهار الياسمين رائحة جذابة، حلوة للغاية، وفاكهية. كما أن لها رائحة مسكية، إن المزيج من الرقة الأنثوية والقوة الذكورية هو الذي يجعل رائحة الياسمين رائحة جذابة عالمياً، يعطي ثراءً وكثافة للعطور تخطف الأضواء وتأسر الحواس.

مسك الروم (توبيروز): وهي زهرة على شكل نجمة لطالما استُخدمت لعدة قرون في العطور. إنه نبات معمّر ينحدر من الفصيلة الهليونية، موطنه الأصلي هو المكسيك. واليوم يُنتج على نطاق واسع في الهند. رائحته حلوة وبودرية توحي لك بفوحان المسك والبنفسج وزنبق الوادي. يطلق مسك الروم خلاصته العطرية عن طريق الاستخلاص عبر المذيبات، كما أنه يملك رائحة كبريتية رحيقية حلوة. كما أن لها جانباً آخر، أكثر انتعاشاً وعشبية، يستخدم في المجال الطبي. يمكن لخلاصة مسك الروم العطرية إضافة نفحات حليبية ناعمة للمزيج العطري مع نوتات منعشة حامضية أحياناً، وجانب آخر حلو كرائحة اللوز. كما يحتوي على العديد من الفروقات الدقيقة لنوتات عطرية متنوعة تسحر الأنوف بموجة عارمة من الأصالة والبراعة. رائحة حساسة وجميلة ستجعلك تشعر بالسعادة والبهجة.

بفضل غناها الشمي الكبير، يمكن دمج نفحات الزهور البيضاء بسهولة شديدة مع مختلف النوتات العطرية المتنوعة. لكونها نوتة رومانسية وحسية ساحرة يمكنها إبراز الجوانب الدافئة لأي مكون عطري كالعنبر، الفانيليا أو التبغ. كما يمكن أن يضيف العطارون باقة من مختلف الزهور البيضاء يتم استخدامها في قلب التركيبة العطرية في الغالب لمنحه الراحة والقدرة على التوفيق بين بعضها البعض بشكل جيد للغاية.

Posted on Leave a comment

التبغ في العطور

التبغ – اسم يثير تصوّر غير مستحب مرتبط بالسجائر والدخان ومنافض السجائر. لكن لنستكشف مفهوم آخر للتبغ، إذ بصرف النظر عن فكرة الروائح القوية للتبغ، سنتعرف اليوم على نوتات عطرية تبغية لطيفة، تضيف على التركيبات العطرية نفحات غامضة جذابة بدلاً من النظرة المسبقة غير المستحبة لرائحة التبغ.

التبغ هو الاسم الشائع لنبات نيكوتيانا تاباكوم وهو نبات استوائي الأصل يعود لتاريخ طويل يمتد إلى 6000 قبل الميلاد. إذ تم اكتشاف وجوده في جميع أنحاء العالم، وهو نبات ينحدر من فصيلة جنس النيكوتيانا – يعتبر قريب من الباذنجان السام. لم يكن موجوداً فيما سبق إلا في الأمريكتين. كما قيل أن أول مرة أنه تم اكتشافه كانت من قبل السكان الأصليين لأمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية ثم تم تقديمه لاحقًا إلى أوروبا وبقية العالم.

لاقى نيكولاس كولومبوس ترحيباً حاراً من قبل قبائل الأمريكيين الأصليين عام 1492 عندما وضع قدمه لأول مرة في القارة الجديدة. إذ أهدوه الطعام والفواكه وأشياء كثيرة، بما فيها أوراق نبات التبغ الجافة. وبذلك، سرعان ما أدرك كولومبوس أن أوراق التبغ المجففة هي ملكية ثمينة بين السكان الأصليين، حيث يقومون بالمقايضة بها أو غالباً يقدمونها كهدية. في وقتٍ لاحق، قام كل من رودريجو دي جيريز ولويس دي توريس وهما أول الأوروبيين الذين لاحظوا التدخين في كوبا، قاما بإعادة هذه العادة إلى إسبانيا.

في القرن الخامس عشر، قام البحارة البرتغاليون بزرع التبغ حول غالبية مراكزهم التجارية، بكميات تكفي الأغراض العلاجية والاستخدام الشخصي والهدايا. لكن في عام 1520 تم استيراد بذور التبغ إلى أوروبا. وقد قام السفير الفرنسي جان نيكو بتسليم أوراق التبغ المجففة إلى الملكة الفرنسية كاثرين دي ميديشي بغرض التخفيف من آلام الصداع النصفي. عندها اشتهرت “عشبة الملكة” الجديدة وأطلق عليها اسم النيكوتين على شرف جان نيكو. وبحلول عام 1717، كان التبغ قد صار شائعاً وقد زرعه الغالبية وعرفوه. وبذلك اكتسبوا موطئ قدم قوي في الحرب الثورية عام 1776 ، واستخدم الثوار التبغ كضمان للقروض التي كانوا يحصلون عليها من فرنسا. وقد بدأت صناعة السجائر الأولى في خمسينيات القرن التاسع عشر، مما جعل التدخين ظاهرة منتشرة بين مختلف الطبقات المجتمعية بعد الحرب العالمية الثانية.

للتبغ جذع ليفي طويل يمكن أن يصل ارتفاعه إلى 1.5 متر، ينتج أزهاراً بيضاء، صفراء أو وردية ذات بتلات كبيرة. يتم حصاد الأوراق في غضون ثلاثة أشهر لتُعلّق على حبل حتى تجف خلال مدة تستغرق مابين 4 إلى 10 أسابيع، مما يُغيّر لونها من الأخضر الباهت إلى البني الغامق ويطلق عليها اسم هافانا.

مع ظهور صناعات العطور المتخصصة، دوماً ما كان هناك حاجة للسمة العطرية للتبغ في التركيبات العطرية المختلفة. إذ من خلال إضافة المذيبات المتطايرة، يتم أخذ المستخلص العطري من الأوراق، مما يخلق مكوّن جديد بلون داكن مع رائحة قوية. بعد تخفيفه كثافته وإزالة لونه، سيكتسب هذا مستخلص التبغ هذا رائحة حلوة إلى حدٍّ ما، عشبية وخشبية، كرائحة الشاي أو القش، بنفحات جلدية غنية.

وكما يبدو، فإن للتبغ نوتات عطرية رائعة تناسب أي عائلة عطرية، بسبب رائحتها السحرية متعددة الأوجه. إذ تضيف نوتات عطرية جديدة في التركيبات العطرية على اختلافها إن كانت حارة، أو تتراوح ما بين الحلاوة والمرارة. فمع هذا المكون الدافئ والناعم، يمكن أن نختبر أبعاد أعمق لهذا التركيب الخشبي كمكون وسيط لإثراء أي مزيج عطري بإضافة نوتة ساحرة بتأثير طويل الأمد.

بخلاف ماهو معروف عن السجائر، فإن رائحة التبغ في صناعة العطور ستضيف لعطرك المفضل هوية شمية جديدة وعصرية من الدفء المريح بدون أي آثار جانبية غير مستحبّة..!

Posted on Leave a comment

العنبر في العطور

مصطلح “العنبر” يأتي من اللفظ العربي أو الفرنسي للعنبر، وهو مادة شمعية توجد في أمعاء حوت العنبر. يعدّ العنبر أحد جواهر الطبيعة ويستغرق تكوين الكهرمان الطبيعي الحقيقي ملايين السنين، وهو يعتبر وقتاً طويلاً!. معروفٌ عن الكهرمان أنه يأتي من عصارة الأشجار، ولكن كي نكون دقيقين، فقد تم تكوينه من الراتنج. إذ أنه عندما تصاب الشجرة، فإنها تطلق مادة صمغية تسد الجرح وتتصلب، مما يحمي جذوعها من التعرض لهجمات الطفيليات والحشرات. إذ تعمل هذه الراتنجات أيضاً على علاج كل الأضرار الداخلية الأخرى، مما يحافظ على صحة الشجرة وأمنها في نفس الوقت. ومع مرور الوقت، يتطور الراتينج كحجر عضوي ويصبح صلباً كهرمانياً. إن أحد أقدم أشكال العنبر هو عنبر البلطيق إذ يعود لأكثر من 40 مليون سنة. كما يعتبر العنبر مكوناً مثيراً للاهتمام لأنه في بعض الأحيان يمكن أن يحتوي على كائنات أو نباتات عالقة بقلبه يعود عمرها لملايين السنين، كما تم استخدامه في الزخارف والمجوهرات منذ العصر الحجري (منذ 13000عام).

عندما يتم إفراز مادة الراتينج، فليس من المؤكد أنه سيتحول إلى كهرمان. لأنه يمكن أن يتعرض للتدمير لأسباب تعود للطقس السيئ. إذ حتى يتم تحويل هذه المادة للعنبر يجب أن يكون الراتينج مستقراً كيميائياً ولا يتحلل بمرور الوقت، ومقاوماً للشمس والمطر ودرجات الحرارة القصوى والكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا والطفيليات. بالإضافة إلى مقاومته للظروف الجوية المعاكسة، يجب أيضاً توفر ظروفاً مناسبة للتحجر. إن العنبر في مراحل تكوّنه الأولى، يمكن أن يؤخذ بسهولة من البحر إذ يتواجد عادةً مغموراً تحت طبقات متنوعة من الرواسب.

في دول البلطيق، دمرت الأنهار الجليدية العديد من الأشجار ودفنتها، مما سمح لها بالتحول إلى أحجار. كما يحافظ الطين الرطب والرواسب الرملية على الراتينج جيداً نظراً لعدم احتواءه على كمية كبيرة من الأكسجين وتتحول الرواسب في النهاية إلى صخور. يفيد الضغط المستمر ودرجة الحرارة المرتفعة بجعل الراتنج يبدو كالأحجار الكريمة البرتقالية. إذ يتشكل الكهرمان الصغير أو الكهرماني بسبب بلورة الجزيئات بفعل الحرارة والضغط الذان يطردان التربينات مما يكمل التحول الكهرماني.

هناك نوعان من المركبات الراتينجية التي تنتجها النباتات يمكن تحللها. إذ يتم إنتاج التربينويدات عن طريق عاريات البذور (الصنوبريات) وكاسيات البذور. وهي تركيبة تتألف من هياكل دائرية مصنوعة من وحدات الأيزوبرين (C5H8). أما الراتنجات الفينولية فيتم إنتاجها بواسطة كاسيات البذور. كما تم إيجاد نوع ثالث فريد للراتينج تنتجه شجرة نادرة تُعرف باسم ميدولوسان. عادةً يبلغ عمر الكهرمان الذي يُعثر عليه حوالي 30-90 مليون سنة، على الرغم من أنه ليس من المؤكد كم من الوقت تستغرق عملية تحويل الراتنج إلى كهرمان. إذ تم اكتشاف أقدم كهرمان يعود للعصر الحجري، عمره يتجاوز 320 مليون سنة. إن معظم الكهرمان المعثور عليه يعود لأشجار الصنوبر أو الصنوبريات الأخرى، على الرغم من وجود مجموعة أخرى متنوعة من الأشجار التي يمكن أن يأتي منها.

تم العثور على العنبر في العديد من الأماكن حول العالم، من ألاسكا وحتى مدغشقر، إذ تم إيجاد أكبر الرواسب لجواهر الكهرمان في جمهورية الدومينيكان ومنطقة البلطيق في أوروبا وميانمار المعروفة أيضاً باسم بورما. كما تمثل كل منطقة حقبة مختلفة من الماضي الجيولوجي للأرض، وربما يكون أصغر أنواع العنبر هو الكهرمان الدومينيكي الذي يبلغ تاريخه حوالي 16 مليون إلى 25 مليون سنة. يبلغ عمر كهرمان البلطيق مثل نظيره الدومينيكي، وكهرمان النمل والذباب والسحالي، 40 مليون سنة ؛ بينما يمكن نسب الكهرمان البورمي أو الميانماري لزمن يصل إلى 100 مليون سنة، وهو أقدم كهرمان متعارف عليه.

كان يعتبر كهرمان البلطيق أكثر أنواع الكهرمان شيوعاً، وقد استنفد بالفعل بحلول القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فمن المفترض أن عدة آلاف من الأطنان من الكهرمان لا تزال موجودة في مناجم يانتارني في كالينينجراد. في الغالب، يتوفر الكهرمان ذو اللون الأصفر الفاتح، ولكن يمكن أيضاً العثور على ألوان أخرى كالتي تحتوي على مسحة بنية داكنة أو قد يكون لها درجات من الأخضر الداكن أو الأزرق الداكن والأبيض. وقد يكون الكهرمان شفافاً أو معتماً مع وجود فقاعات هواء صغيرة بداخله. في حين أن الشكل الأكثر قيمة من الكهرمان هو الذي لا يزال يحتوي على آثار للحياة العضوية، إذ أن أقدم كهرمان بداخله كائن حي (سوس) يعود إلى 230 مليون سنة مضت في شمال شرق إيطاليا. كما يمكن أن تساعد قطع النباتات والحشرات في تحديد مصدر الكهرمان وعصر تشكّله وإعطاء معلومات عن كل من الكهرمان نفسه أو الكائنات الحية بداخله.

العنبر هو مركب عضوي بنيته غير متبلورة تماماً. نظراً لعدم وجود ترتيب ذري داخلي مناسب فيه، لكن لا يمكن لأحد تسميته معدناً. من الأفضل تعريفه على أنه حجر كريم، إذ أن الثقل النوعي للكهرمان منخفض للغاية، مما يجعله واحداً من أخف الأحجار الشائعة، ولهذا السبب يطفو في الماء. ظهر العنبر كمكوِّن عطري لأول مرة في أواخر القرن التاسع عشر، مزامناً لوقت اختراع الفانيليا الاصطناعية (الفانيليين)، والتي تُستخدم على نطاق واسع في العطور تماماً كما العنبر في الوقت الحاضر. إن الراتينج له رائحة ناعمة جداً ما لم يتم حرقه، إذ بمجرد حدوث ذلك ينبعث منه رائحة أقوى تشبه رائحة أشجار الصنوبر. للحصول على كهرمان طبيعي أكثر قبولاً، يتم استخلاص اللابدانوم، وهو راتينج نباتي يحمل نفحات العنبر يستخدم بشكل أكثر شيوعاً في صناعة العطور. بالإضافة لراتينج البنزوين وهو عنصر آخر يعيد تكوين رائحة العنبر مع نوتات بلسمية دخانية مميزة.

يعتبر العنبر أحد أشهر المكونات العطرية الشرقية وغالباً ما يستخدم كنوتة أساسية في العطور الفاخرة وعطور الشموع، وهو ما يعتبر غريب مقارنةً بالمكونات العطرية الأخرى. إذ أن رائحة العنبر هي رائحة مصنوعة من مزيج الروائح الأخرى – وليس الراتينج الأحفوري بذاته، كونه لا يحتوي على رائحة تميزه. لا توجد تركيبة قياسية لرائحة العنبر، ولكن المتعارف عليه بأن رائحته حلوة راتنجية ودافئة، غالباً ما يتم إعادة تكوينها من مزيج بلسم اللابدانوم، البنزوين، الفانيليا، الستيراكس، والتنوب، أو مزيج من بعض هذه المكونات. لينتج في النهاية رائحة عطرة مميزة ومتعددة الاستخدامات، يمكن دمجها مع مجموعة متنوعة من روائح الأزهار والفواكه والحمضيات لإضافة عمق جديد للتركيبة العطرية، مما يجعلها رائحة شائعة ولكن ليست بسهلة الاستخدام في عالم العطور!.